لم يكن مشهد تجديد عقد المدرب فلاديمير بيتكوفيتش مع المنتخب الوطني مجرد إجراء إداري روتيني لتوثيق أرقام مالية، بل كان بمنزلة "إعلان نوايا" وضع المدرب البوسني على صفيح ساخن أمام طموحات شعب لا يرضى بغير منصات التتويج. وبينما انشغل البعض بلغة الأرقام، ذهب المحلل الذكي لما وراء الستار، ليقرأ في "كواليس" الصورة وتفاصيل العقد ما قد يغير ملامح العارضة الفنية لـ "الخضر" في المستقبل القريب. فهل نحن أمام مشروع لبناء عهد ذهبي، أم أن العقد يخفي في طياته خطة "رحيل هادئ" لبعض الأسماء؟
لغز الـ 160 ألف يورو: هل هو الراتب الأضخم في القارة؟
أثار الرقم المسرب لراتب بيتكوفيتش (160 ألف يورو شهرياً) زوبعة من التساؤلات حول موقعه في سوق المدربين داخل القارة السمراء. وبنظرة تحليلية، نجد أن هذا المبلغ يضعه فعلياً في صدارة الرواتب الأعلى في أفريقيا حالياً، رغم وجود استثناءات نادرة في التاريخ القريب لمدربين تقاضوا ما يصل إلى 7 ملايين يورو خلال عامين (أي ما يعادل 290 ألف يورو شهرياً).
لكن، في عرف كرة القدم الاحترافية، لا يقاس النجاح بضخامة الشيك، بل بما يجلبه هذا الشيك من كؤوس وإنجازات.
"النتائج وحدها هي الكفيلة بالتأكيد على أحقية بيتكوفيتش بهذا الراتب من عدمه؛ فالسوق يفرض منطقه، لكن الميدان هو الفيصل النهائي."
خارطة الطريق: حلم التتويج في 2028 وواقع "أفريقيا السمراء"
رسم الاتحاد الجزائري خارطة طريق تبدو طموحة جداً على الورق: بلوغ نصف نهائي كأس أمم أفريقيا 2027، ثم انتزاع التاج القاري في نسخة 2028. ومع أن الطموح مشروع، إلا أن تجاربنا السابقة في "أفريقيا السمراء" تفرض علينا الحذر؛ فالجزائر لم تكن دائماً في أفضل حالاتها فوق الأدغال، والمطالبة بلقب 2028 تعني أن بيتكوفيتش ملزم بتحويل "الخضر" إلى قوة ضاربة لا تكتفي بتقديم كرة جميلة، بل تملك "نفس" الأبطال للذهاب بعيداً.
ما وراء "اسم المدرب": دروس من زامبيا وكوت ديفوار
تؤكد الدروس المستفادة من تاريخ "الكان" أن الاسم الرنان للمدرب ليس ضمانة للنجاح. خذوا مثال "إيميرس فاييه" مع كوت ديفوار؛ مدرب مساعد استلم المهمة بعد إقالة المدرب الرئيسي "جاسيه" في منتصف البطولة، وحقق اللقب بالروح والعزيمة. وقبله هيرفي رونار الذي صنع المعجزة مع زامبيا بمجموعة لم تكن تملك نجوماً عالميين.
النجاح في أفريقيا يتطلب منظومة متكاملة تتجاوز التكتيك؛ نحتاج إلى:
- غرف تغيير ملابس "نظيفة": تلاحم تام بين اللاعبين بعيداً عن الصراعات الجانبية.
- حضور قوي في "الكواليس": يجب على الاتحادية أن تفرض هيبتها في أروقة "الكاف" لضمان حقوق المنتخب ومنع أي "ظلم" تحكيمي أو إداري .
- دعم جماهيري وتوفيق: وهي العوامل التي تصنع الفارق في اللحظات الحاسمة.
سيميولوجيا الصورة: الغائبون والرسائل المشفرة
النقطة الأكثر إثارة للجدل، والتي قرأناها من منظور "سيميولوجيا الصورة"، هي غياب المساعد الجزائري نبيل نغيز ومدرب الحراس نصر الدين برارمة عن مشهد توقيع العقد. هذه الصورة لم تكن عفوية، بل تحمل رسائل قوية (بناءً على تخمين شخصي وتحليل للمشهد):
- منطق "الحزمة" (Package): يبدو أن بيتكوفيتش تفاوض على عقده وعقود طاقمه الأجنبي (موراندي ودوناني) كوحدة واحدة، بينما تم التعامل مع الأسماء المحلية كملفات منفصلة.
- التضحية بـ "مسعي": سابقة استبدال مدرب الحراس السابق "مسعي" بـ "دوناني" بطلب مباشر من بيتكوفيتش، تؤكد أن الرجل لا يثق إلا في طاقمه الخاص، وهي إشارة قوية لمستقبل نغيز وبرارمة.
- نهاية المهمة: غياب الثنائي عن الصورة يوحي بأن أيامهما داخل المنتخب باتت معدودة، وأن مهمتهما قد تنتهي فعلياً بمجرد انتصاف الطريق بعد المونديال.
لو أراد الاتحاد الجزائري إرسال رسالة "استقرار" وتجديد ثقة شاملة، لكان الظهور جماعياً في صورة واحدة تعكس وحدة الطاقم الفني.
الخلاصة: هل هي استمرارية أم مرحلة انتقالية؟
باختصار، نحن أمام عقد يربط الراتب المرتفع بتحقيق المستحيل في 2028، لكن "سيميولوجيا الصورة" تخبرنا أن "البيت الداخلي" للطاقم الفني قد يشهد ثورة تطهير قريبة. "واحد زائد واحد يساوي اثنين"؛ بيتكوفيتش يثق في رجاله فقط، وغياب نغيز وبرارمة عن مشهد التوقيع ليس مجرد صدفة. يبقى السؤال الكبير: هل ستتحقق رؤية المحلل برحيل الأسماء المحلية بعد المونديال، وهل سيعود بيتكوفيتش بالجزائر إلى منصات التتويج، أم أن "كواليس" أفريقيا ستكون لها كلمة أخرى؟ الأيام وحدها، ونتائج الميدان، هي من ستكشف الحقيقة كاملة.
