لم يعد الدوري السعودي للمحترفين مجرد مسابقة كروية تستقطب الأضواء بسبب الأسماء العالمية أو حجم الاستثمارات، بل تحوّل في الآونة الأخيرة إلى ساحة تعكس صراعات أعمق تتقاطع فيها الرياضة مع الاقتصاد والسياسة وإدارة النفوذ. فخلف الواجهة اللامعة، بدأت تتسرّب مؤشرات واضحة على اختلالات في منظومة القرار، كان أبرزها ما ارتبط بملفَي كريم بنزيما وكريستيانو رونالدو.
بنزيما… انتقال يتجاوز منطق السوق
قصة كريم بنزيما مع الاتحاد لم تكن خلافًا تقنيًا أو رياضيًا بحتًا، بل كشفت عن تحوّل في فلسفة التعاقدات داخل الدوري. عرض التجديد الذي قُدّم للنجم الفرنسي اعتمد على تقليص الامتيازات المالية وربط جزء أساسي من العائدات بحقوق الصورة، وهو ما قوبل برفض قاطع من اللاعب. اللافت أن المفاوضات لم تبقَ في الإطار التقليدي لإدارة النادي، بل شهدت تدخلًا مباشرًا من جهات تنظيمية، ما أعاد طرح سؤال جوهري: من يملك القرار الحقيقي داخل الأندية؟
دخول الهلال على خط الصفقة وحسمه انتقال بنزيما زاد من حدّة الجدل، خاصة أن الأندية الكبرى تخضع، نظريًا، لهيكل ملكية واحد، الأمر الذي فتح الباب أمام اتهامات بعدم تكافؤ الفرص وغياب الفصل الواضح بين المنافسة والحوكمة.
رونالدو ورسالة الاحتجاج الصامت
في المقابل، وجد كريستيانو رونالدو نفسه في موقع مختلف. نجم النصر، ورغم حضوره الإعلامي والاستثماري الكبير، شعر بأن ناديه لا يحظى بالدعم نفسه مقارنة بمنافسين آخرين. هذا الإحساس تُرجم إلى توتر علني، بلغ ذروته مع غيابه المفاجئ عن مباراة رسمية دون مبرر واضح، في خطوة فسّرها كثيرون على أنها رسالة احتجاج تتجاوز شخص اللاعب إلى موقع ناديه داخل المنظومة.
الملف الأعمق: خصخصة وصراع نفوذ
لكن ما يجري لا يمكن اختزاله في غضب لاعب أو انتقال نجم. فالدولة تتحرّك بهدوء لإعادة تشكيل خريطة ملكية الأندية، مع توجّه متزايد نحو الخصخصة الكاملة وفتح الباب أمام مستثمرين محليين ودوليين. الأندية الأربعة الكبرى لا تزال مرتبطة بصندوق الاستثمارات العامة، غير أن هذا النموذج يبدو في مرحلة انتقالية.
الهلال يتصدّر هذا المشهد، مع تسريبات عن مفاوضات لبيعه بالكامل لمستثمر بارز، وتقييمات مالية ضخمة أثارت نقاشًا واسعًا حول القيمة الحقيقية للأندية مقارنة بعوائدها التجارية الفعلية.
مفترق طرق
الدوري السعودي يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما ترسيخ نموذج احترافي واضح المعالم يفصل بين التنظيم والمنافسة، أو استمرار حالة التداخل التي تُنتج أزمات متكررة وتغذّي الشكوك. ما يحدث ليس أزمة عابرة، بل اختبار حقيقي لمستقبل المشروع الكروي السعودي، ولمدى قدرته على الموازنة بين الطموح الرياضي وتعقيدات النفوذ والقرار.
الخلاصة: كرة القدم في السعودية لم تعد لعبة داخل الملعب فقط، بل مرآة لتحوّلات كبرى في إدارة السلطة والمال، حيث باتت النجومية العالمية تصطدم أحيانًا بحدود القرار السياسي والاقتصادي.
#الدوري_السعودي #بنزيما #رونالدو
