أخبار محليةأخبار.أهم الأخبارالمنتخب الجزائري

شيخ المدربين عبد الحميد كرمالي صاحب النجمة الاولى التي رفعته في السماء

تشاء الصدف أن يكون شهر أفريل هو الشهر الذي ولد فيه شيخ المدربين ، المرحوم عبد الحميد كرمالي، وهو الشهر الذي قرر فيه الشيخ ترك مجد كروي بدأ يقطع دربه مع فريق ليون الفرنسي العملاق، مفضلا نصرة قضية عادلة لوطن كان يئن تحت وطأة الاستعمار، فاختار الجهاد على الشهرة حينما سجل اسمه من ذهب في النواة الأولى من اللاعبين الذين التحقوا بتونس، شهر أفريل من سنة 1958، وأعلنوا عن تشكيل فريق جبهة التحرير، وهو نفس الشهر الذي توفي فيه عملاق كرة القدم الجزائرية، وصاحب الكثير من الإنجازات والتتويجات الكروية التي حققها طيلة مسيرة فاق عمرها ال45 سنة.

تعود في هذا الشهر المميز في حياة الشيخ لننشر قليلا من المحطات التي ميزت مسيرة الرجل.. مسيرة مجاهد، لاعب، مدرب، إنسان، كان يفرح ويحزن.. يبكي ويضحك.. يغضب ويسامح..

ولد الشيخ عبد الحميد كرمالي بمدينة أقبو بولاية بجاية في السابع والعشرين من شهر أفريل 1931، وكان والده عسكريا ضمن الجيش الفرنسي حينما رزق بعيد الحميد، الولد البكر لأبيه، ثم رزق بعده بولدين وبنت، ومازال شقيقا عبد الحميد يعيشان إلى اليوم في حين توفيت الأخت قبل عدة سنوات.

تنحدر عائلة كرمالي من قرية أولاد علي بن ناصر ببلدية بني فودة القريبة من مدينة العلمة، وكان الشيخ مولعا بكرة القدم، وهو القائل  “لقد كنت ألعب الكرة لساعات طويلة بوسط مدينة سطيف وبمحاذاة ثانوية ألبيرتيني (قيروانی حاليا).. كان الشيخ علي بن عودة المدعو “لاياص وهو أحد مؤسسي فريق وفاق سطيف واحد الكشافين المهمين بمدينة سطيف إلى جانب المرحومين عيد ولخلف، يأتي دوما إلى ذلك المكان من أجل اصطياد العصافير النادرة لتدعيم فريق اتحاد سطيف العريق، لكونه الفريق العربي الوحيد الذي كان موجودا بولاية سطيف في ذلك الحين. يقول الشيخ كرمالي القد شاهدني علي بن عودة المدعو لايام وأنا ألعب الكرة بمحاذاة ثانوية ألبيرتيني، فطلب مني بعد أن أكملت اللعب ونهاية المباراة، أن أتبعه إلى مقر النادي، ومنحني بدلة رياضية وطلب مني الحضور لتدريبات الفريق في اليوم الموالي ضمن تشكيلة الأصاغر وقد لعبت في ذلك الصنف لموسمين كاملين، ثم صعدت إلى صنف الأشبال ولعبت موسما واحدا، قبل أن أفاجأ خلال موسمي الثاني باستدعائي لمباراة فريق الأكابر، وكانت القائمة تعلق بمقهى الفريق (الساركل).. اندهشت كثيرا لما وجدت نفسي ضمن قائمة تضم لاعبين كبارا أمثال العريبي، جيليلي، بوخريصة زراري وغيرهم، ولم أكن أتجاوز حينها الربيع الخامس عشر. وكان اللاعب زراري يشجعني ويقول لي: العب ولا تخف فأنا وراءك”.

سطع نجم كرمالي بسرعة بعد ذلك، وكانت المباراة التي فتحت له الآفاق نحو التألق والمجد، هي مباراة اتحاد سطيف ونجم قسنطينة لحساب كأس الجزائر، وكان لا يزال في السنة الأولى لصنف الأواسط، وهناك شاهده أحد المدربين الفرنسيين ونصحه بضرورة التوجه إلى فرنسا لخوض تجربة احترافية، وهنا يقول كرمالی “غير أن والدي كان شديدا معي في جانب الدراسة، ورفض هذه الفكرة جملة وتفصيلا، وفعلا ركزت على دراستي وتحصلت على الشهادة النهائية في الدراسات”.

وفاة الوالد وحاجة العائلة كانت وراء الرحلة نحو فرنسا

يواصل المرحوم حديثه  بالقول “بعد وفاة والدي، وبقاء العائلة من دون عائل لها ولا مصدر ثابت تسترزق منه خاصة أن منحة الوالد لم تكن تصلنا، ورغم أن أعمامي كانوا يحاولون دوما إعانتنا، إلا أن الوضع لم يعد على ما كان عليه أيام الوالد، وبالتالي قررت التنقل الى فرنسا، وقد سبقني إليها أحد الأصدقاء المدعو بوذراع، فتوجهت إليه مباشرة بمدينة ميلوز الفرنسية، واستقبلني بحفاوة كبيرة، وكان يعمل بمصنع للأسلحة، وقد وعدني بأن يجد لي منصب عمل معه، رغم أن الفرنسيين كانوا يتحاشون توظيف العرب في مثل هذه المصانع ومع ذلك فقد نجح في مهمته وأقنع المسؤول عن العمال بتوظيفي، غير أنني لم أكن ملتزما اوقات العمل، وكنت شغوفا بلعب كرة القدم، فكنت اتاخر في كل مرة عن الامتحان بعملي، وهو ما جعل المسؤول عن العمال يطردني، وقال لي انت لا تصلح للعمل اذهب للعب كرة القدم ، وقد كان مسير وفريق ميلوز يتابعونني عن قرب، قبل أن يتصل بي أحد المناجرة اليهود المدعو ليفي وقال لي بالحرف الواحد أنا سأبيعك فقلت له كيف تبيعوني وأنا إنسان حر”، فشرح لي المسألة وأخذني إلى  مسؤولي فريق ميلوز، وكان فريقا هاويا، ولعبنا ذات مرة كأس فرنسا ضد فريق كان المحترف وذلك بمدينة اسات” التي كان يلعب لفريقها المرحوم مختار العربي، وهو الذي أكد لي بعد نهاية المباراة أن مسؤولي فريق كان يريدون الاستفادة من خدماتي، وفعلا وقعت لهذا الفريق وأصبحت لاعبا محترفا، ا وأملك سيارة وشقة ورصيدا في البنك، وفي هذا الفريق التقيت باللاعب الكبير مصطفي زيتوني الذي أمضى في نفس الموسم معي، قبل أن ينتقل هو إلى موناكو وأنا إلى فريق ليون الكبير”.

ليلة الهروب من مليون والالتحاق بفريق جبهة التحرير

أرادت جبهة التحرير الوطني أن تشكل منتخبا يمثل الجمهورية الجزائرية بحكومتها المؤقتة، وكانت الفكرة أن يتم اختيار عشرة لاعبين جزائريين هم الأحسن على مستوى البطولة الفرنسية، كنا نحن أربعة من ولاية سطيف، حيث كان لعريبي مختار، مخلوفي رشيد، روای عمار والمتحدث، طبعا إلى جانب اللاعب الكبير مصطفي زيتوني، الحارس بوبكر، بخلوي وغيرهم، وقد اتصل بنا السيد مختار لعريبي رفقة محمد بومزراق، وشرحا لنا الوضع جيدا، وقررنا الفرار من فرقنا على أن يدخل خمسة لاعبين من الحدود الفرنسية السويسرية والخمسة الأخرون عبر الحدود الفرنسية الإيطالية، وكان فريقي ينوي التنقل إلى مدينة نيم للعب مباراة مهمة في إطار البطولة الفرنسية، وقد حاولت التظاهر الى الليل بالمرض وقمت بشراء بعض الأدوية، ولما علم المدرب بالامر جاء مسرعا و تحدث  معي، فقلت له إنني أحس بحمى شديدة، ولا أقوى على السير والحركة، فضرب كفا بكف وتحسر ثم قرر تعويضي بلاعب أخر، وبعد أن خرج المدرب توجهت مباشرة نحو المكان الذي اتفقنا أن نلتقي فيه مع كل من مخلوفي، لعريبي، بوشوك وبراهيمي وتوجهنا مباشرة إلى الحدود السويسرية، وهناك لاحظنا أحد أعوان الجمارك الذي يتابع كرة القدم جيدا فقال لنا كرمالي، مخلوفي، براهيمي وبوشوك كل هذه الأسماء تجتمع في مكان واحد؟ امر لا يصدق”.. وقد خفنا كثيرا من أن ينكشف أمرنا، لكن الأمور مرت بسلام، وبعدها ركنا الطائرة مباشرة إلى إيطاليا، وعلمنا أن الجماعة الأولى قد سافرت نحو تونس، ثم لحقنا بهم هناك.. وقد نزل هروبنا كالصاعقة على السياسيين الفرنسيين والقائمين على كرة القدم، خاصة أن زيتوني ومخلوف كانا على وشك تمثيل المنتخب الفرنسي في نهائيات كأس العالم 58 بالسويد، ولم تجد وسائل الإعلام الفرنسية من سبيل لتشويه صورتنا غير نعتا بالفلاشة، لكن هناك نقطة مهمة يجب الإشارة والإشادة بها، وهي أن بعض لاعبي المنتخب الفرنسي الذي كان في تربص تحضيري وكان يتأهب لإجراء مباراة ودية يوم 1958/ 04 / 16 ضد منتخب سويسرا تحضيرا لنهائيات كأس العالم، التي كانت مقررة خلال شهر جوان بالسويد، أعلنوا تعاطفهم مع الثنائي زيتوني ومخلوفي وأرسلوالهما رسائل مساندة، وأذكر منهم ریموندگوبا، جيست فونتان وروجيربياتوني”.

كرمالي وزملاؤه يبكون لسماع النشيد الوطني لأول مرة

ويواصل المرحوم سرد مسيرته بالقول “التقينا بتونس بالرئيس بورقيبة، والساسة الجزائريين على غرار رئيس الحكومة المؤقتة فرحات عباس، أحمد بن بلة، كريم بلقاسم وغيرهم وقد لعبنا أول مباراة ضد المنتخب التونسي، واضطررنا إلى إضافة أحد اللاعبين الجزائريين الذي كان ينشط مع فريق الملعب التونسي ويدعى خالدي حمادي، من أجل إكمال التعداد، وذلك قبل التحاق ستة لاعبين آخرين خلال شهر أوت وهم بوشاش، سمعان، أبرير، زويا والأخوان محمد وعبد الرحمان سوكان. وحينما وقفنا للاستماع للنشيد الوطني، وكانت المرة الأولى التي يعزف فيها أمامنا، فلم نتمالك أنفسنا وراح الجميع يبكي، وقد أدينا مباراة كبيرة أمام المنتخب التونسي الذي سحقناه على ما أذكر بسداسية لهدف، ومن هنا انطلقت جولتا نحو الكثير من الدول العربية، والأوروبية الشرقية، فلعبنا ضد المغرب، ليبيا، العراق، تونس وغيرها من الدول الأخرى، إلا مصر التي خاف مسؤولوها من الإقصاء منا المنافسات الدولية، ومنعونا حتى من مواجهة فرق مصرية في صورة الأهلي والزمالك بعد طلب الاتحاد الفرنسي الذي ضغط على الاتحاد الدولي “فيفا” والاتحاد الإفريقي، وأمرهما بمعاقبة وإقصاء كل منتخب يقبل مواجهة فريقنا، ومع ذلك فقد لعبنا ضد منتخبات روسيا، تشيكوسلوفاكيا، يوغسلافيا ورومانيا، وكان مسؤولو هذه المنتخبات يقدمون أسماء مستعارة للاعبيهم حتى يتجنبوا إقصاءهم، وكانت أكبر مباراة نلعبها ضد المنتخب الروماني الكبير، فبعد هذه المباراة قال رئيس الاتحاد الروماني: “أتوق كثيرا لمشاهدة مباراة المنتخب البرازيلي وفريق جبهة التحرير الجزائري، وستكون دون شك قمة كرة القدم العالمية، فيما كتبت الصحافة الرومانية في الغد الموالي “ساعة ونصف من كرة القدم، لم تكن كافية لإشباع عشاق الكرة بالفتيات الرائعة”.

وكان الشيخ كرمالی، ورغم ثقل السنين ووطأة المرض الذي بدأ ينخر جسده، يتوقف من الحين إلى الأخر ليسرد  بعض المواقف الطريفة “أتذكر أنني حينما كنت ألعب بالجزائر قبل سفري إلى فرنسا، قمت بإمضاء إجازتين، الأولى لفائدة اتحاد سطيف، والثانية لصالح اتحاد الجزائر، وكنت ألعب أسبوعا بسطيف وآخر بالعاصمة، غير أنني لما حاولت اللعب مع فريق اتحاد سطيف ضد فريق النجم الرياضي السطايفي التابع للمحتل الفرنسي، تقدموا باحترازات ضدي، وقامت الفيدرالية الفرنسية بحرماني من اللعب لمدة موسمين، لكن العقوبة رفعت عني فيما بعد”. ثم يتوقف المرحوم كرمالي قليلا قبل أن يواصل الكلام من جديد بالقول “أتذكر كذلك أننا حينما وصلنا إلى رومانيا كنا نلبس بدلات بلون رمادي وعليها علم الجزائر، فسخر منا اللاعبون الرومانيون، وقالوا لنا “أنتم تشبهون كثيرا فرقة موسيقية، وليس فريقا لكرة القدم، غير أنهم اعتذروا لنا بعد نهاية المباراة، لما هزمناهم وشاهدوا الفتيات التي كنا نتمتع بها”. ويحاول الشيخ مرة ثانية أخذ بعض الوقت محاولا استدراج ذاكرته لتمنحه مزيدا من الذكريات والصور الذهنية عن حوادث وأحداث عاشها مع فريق جبهة التحرير، واس تطرد قائلا كما أنكر أننا خلال رکوينا الطائرة  بإيطاليا نحو تونس، سمعنا بخبر إلقاء القبض على جماعة الخمسة الذين كان معهم بن بلة، فقلت لرشيد مخلوفي وكان الخوف يتملكني: “سوف يتم القبض علينا فنحن خمسة وأنا لا أخشى شيئا بل أخاف عليك لأنك تابع للجيش الفرنسي وهربت من أداء واجبك”، فالتفت إلى مخلوفي وانفجر في وجهي قائلا “اسكت علينا يا واحد الهدار سوف لن يحدث لنا أي شيء”، وهنا خاطبنا أحد المسافرين التونسيين وطمأننا بأنه لا شيء سيحدث لنا”. ويواصل كرمالي سرده لبعض الحوادث عشنا الكثير من الحوادث المرعبة والمضحكة في نفس الوقت، خلال رحلاتنا الكثيرة عبر الطائرة، فتارة نضطر إلى رمي كل ما تحمله الطائرة من متاءحت يخف وزنها ونحط بسلام، ومرة خرجت بنا عن المدرج وكان ذلك بمطاربران العاصمة التشيكوسلوفاكية، وهنا قررت أنا وزميلي زيتوني عدم ركوب الطائرة التي كانت ستقلنا إلى المدينة التشيكية التي كانت ستحتضن المباراة، وفضلنا التنقل عبر القطار نتيجة لخوفنا الكبير، وتصور أننا وصلنا إلى تلك المدينة قبلهم بعد أن عرفت رحلتهم الجوية بعض التأخير، ليتفاجاوا بنا ونحن نستقبلهم بالمطار”.

قرر العودة إلى الوطن بعد الاستقلال رغم إغراءات فريق ليون

استقلت الجزائر وقرر عبد الحميد العودة مجددا إلى نادي القلب اتحاد سطيف، ليكمل مشواره الكروي، رغم أن مسؤولی نادية الفرنسي ليون لم يفقدوا الأمل في رؤية أبطال الجزائر وهم يداعبون الكرة بالملاعب الفرنسية، ويصنعون البهجة والمتعة وسط عشاق المستديرة بفرنسا. يقول كرمالي “وصل الحال بهم إلى حد الاعتراض لدى الفيفا لمنعي من الإمضاء لأي فريق آخر بحجة أني مازالت على ارتباط بعقد رسمي مع ناديهم”. وقال كرمالي في هذا الشأن “عدت إلى فريقي الأول بعد الاستقلال (اتحاد سطيف)، رغم اتصالات فريق ليون بي، وإغرائهم لي بالأموال، ولما لم يجد ذلك نفعا راسلوا الفيفا طالبين منها منعي من اللعب لأنهم يملكون عقدالي، وهنا تدخل مسيروفريق اتحاد سطيف وأرسلوا أحد الإداريين إلى فرنسا، وتمكن من إقناعهم بضرورة تسريحي لأن كرمالى اللاعب الشاب لم يعد كذلك، وأوهمهم بتراجع مستواي كثيرا، كما منحهم بعضا من المال مقابل ورقة تسريحی، وهنا تعبت مع الاتحاد وكانت أقوى المباريات التي خضناها ضد الوفاق، حيث كنت بمثابة الشبح الاسود لهم وربحناهم في أول مواجهة، وقد حاول الوفاق خطفي من الاتحاد، ووقعت مشاكل كثيرة بين مسير الفريقين بسببي، حتى وانا مدرب كان كل فريق يتمسك بخدماتی ويؤكد مسيروه بأن الأحقية بخدمات كرمالي ترجع إلى فريقهم وقد أنهيت آخر موسم لي كلاعب ومدرب مع الوفاق خلال موسم 67 / 66 حينما تحصلت على كأس الجمهورية، وبعدها تفرغت للتدريب، وكانت أغلب مواسمي مع الوفاق، حيث كنت أتعاقب على العارضة الفنية له مع المرحوم لعريبي، كما دريت فرق شباب قسنطينة، إتحاد الشاوية، ترجي مستغانم، اتحاد عنابة، مولودية الجزائر، والمنتخب الوطني للأواسط والأكابر، كما خضت تجارب بكل من تونس ودولة الإمارات العربية وقد كانت مسيرتي حافلة بالألقاب والتتويجات، وأنا من المدربين القلائل الذين حالفهم الحظ وحققوا نتائج باهرة.

مسيرة مميزة مع المولودية وذكرياتي لا تنسى مع أنصارها

يؤكد الشيخ أن مسيرته التدريبية مع العميد تبقى من أهم المحطات المنقوشة في ذاكرته “يمكن القول إن مسيرتي مع فريق مولودية الجزائر تبقى مميزة، ولها مكان كبير في قلبي، حيث أنني أذكر أنني لما أمسكت بزمام هذا الفريق، كان يزخر باللاعبين الكبار سواء في السن أو من ناحية القيمة الفنية، وقد توجهت بالفريق إلى ألمانيا من أجل إقامة معسكر تحضيري للموسم الرياضي 86 / 87، وحين وصولنا منحت اللاعبين برنامج التدريب، والذي ينص على إجراء ثلاث حصص في اليوم، وقد كان من بين اللاعبين مرزقان، بن شيخ، بوسري، قادري وغيرهم، فرفضوا البرنامج وكلفوا اللاعب بن شيخ للحديث معي وقال لي: “اللاعبون يرفضون هذا البرنامج وعليك بالتخفيض من ساعات التدريب، حينها تأكدت أنني أتعامل مع نقابة وليس لاعبين، وقد رفضت ذلك وتكلمت مع الرئيس حواش، الذي أكد لي أنه يقف إلى جانبي، فقررت خلال اليوم الثاني وبعد إصرارهم على المقاطعة، العودة إلى الجزائر، وكان مبرمجا أننا عندما ننهي التربص، ونمر بالعاصمة الفرنسية خلال رحلة العودة لإجراء مباراة ودية ضد باريس سان جرمان، على أن تعود مداخيل المباراة للاعبي المولودية، وخلال تواجدنا بباريس، كان اللاعبون فرحين جدا وينتظرون لعب المباراة للحصول على مصروف مالی مغر ومهم، فقلت لهم في نفسي والله لن تطأ أرجلكم أرضية الميدان ما دمت مدربا للفريق”، وقد أبلغتهم بعدها بالدخول إلى الجزائر وإلغاء المباراة بسبب إلغاء التربص، لأتوجه مباشرة بعد وصولي العاصمة إلى مقر سوناطراك حيث تحدثت مع جواد، وأبلغته نيتي في تطهير الفريق وتسريح كل اللاعبين الذين وضعتهم نصب أعينى، وقد منحني السيد جواد وحتی وزیر الطاقة آنذاك كل الصلاحيات، فقمت بحذف كل الاسماء الكبيرة وتعويضها بالشبان على غرار بوكراع، بلهوشات، مرافة وغيرهم، وذلك وسط تشديد كبير وتهديد من الأنصار الذين لم يتوقفوا عن شتمي وإهانتي قبل بداية الموسم، وأخذت مجموعة الشبان نحو مدينة سرایدی بعنابة للتربص، ولعبنا مباراة ضد ترجي فالمة، فانبهرت بمستواهم، ولما عدنا إلى العاصمة كانت المواجهة الأولى الرسمية لناضمن الجولة الأولى من البطولة المحلية ضد مولودية وهران بنجومه المعروفين آنذاك أمثال سباح، بلعباس وبن میمون، وقلت للاعبين الشبان قبل دخولهم الميدان ” اليوم لا أعطيكم لاخطة ولا أي شيء، العبوا بنفس الطريقة ضد ترجي فالمة، وكأنكم في مباراة ودية وأنا أتحمل الخسارة مهما كانت نتيجتها، هناك 80 ألف مناصرجاءوا اليوم لشتمي، فعليكم الرد فوق أرضية الميدان”، وبعد ربع ساعة من السب والشتم تحول كل الملعب للإشادة باسمي وبحياتي، وحققنا انتصارا بثلاثية نظيفة على مولودية وهران واحتللنا المرتبة الثانية خلال ذلك الموسم، ثم حصلنا على لقب البطولة في الموسم الموالي.. كما أذكر أنه في إحدى المرات كان علي بن شيخ ضمن كرسي الاحتياط، وكان كل عشاق المولودية بالمدرجات ينادون باسمه، ومطالبين بإشراكه، وبدأ اللاعب يتحرك في مكانه ظانا منه بأنني سأرضخ لضغط الأنصار وأقحمه في المباراة، فقلت في نفسی “والله لوصرخت كل الجزائر في وجهي من أجل إشراكك فلن يحصل إلا الذي هو في رأسي”، وقد أنهينا المباراة بالتعادل، وحينما هممت بالخروج من الملعب بعد نهاية تلك المباراة، وجدت المئات من أنصار المولودية في انتظاري أمام المدخل الرئيسي للملعب فحاصروني، فقررت استعمال الحيلة معهم، فقلت لهم “ماذا تريدون؟”، قالوا “نريد الكلام معك حول التشكيلة، فطلبت منهم الصعود إلى المدرجات للكلام بهدوء وسماع كل مطالبهم فقبلوا الاقتراح وصعدوا إلى المدرجات، حينها قلت لهم: تكلموا ماذا تريدون مني؟ فكانت كل مطالبهم تلح على ضرورة إشراك اللاعب علي بن شيخ، فقلت لهم “سيكون ذلك”، وهنا تفرق الجميع بسلام، وكنت قد وضعت في ذاكرتي كل الوجوه التي كانت تتكلم باسم الجماعة، لأتوجه بعدها مباشرة إلى محافظ الشرطة، وطلبت منه الحماية بعد أن منحته بعض الأسماء وصفات بعض المشاغبين، وبقدرة قادر وبعد أن قامت مصالح الأمن بواجبها، تفاجأت بكل تلك الوجوه المشاغبة خلال نهار الغد الموالي يتحولون إلى أفراد أمن وحراسة شخصيين لى، والحمد لله أن كل أنصار المولودية مازالوا يحبونني إلى اليوم ويتمنون تدريبي للفريق مرة أخرى.

التويجات مع المنتخبات الوطنية تبقى مميزة وفريدة من نوعها

تمكن الشيخ كرمالي خلال مسيرته من الفوز مع المنتخب الوطني للأواسط بالبطولة الإفريقية والكأس الأفروأسيوية، وكان ذلك التتويج الأول والأخير للجزائر في هذا الصنف، ونفس الشيء مع منتخب الأكابر، حيث يقول المرحوم كرمالي “أذكر أن تتويجنا بالكأس الإفريقية سنة 90كانت الكأس الأحسن في تاريخ هذه المنافسة، فلأول مرة يفوز منتخب بكل شيء، أحسن دفاع، أحسن هجوم أحسن هداف وأحسن لاعب وغيرها، وقد كنت قبل بداية أول مباراة ضد نيجيريا
خائفا جدا من رد فعل أنصار المولودية، بما أنني تركت فريقهم وأشرفت على المنتخب الوطني، فلماكنت أهم بالدخول إلى أرضية الميدان قلت لحارس المتاع، وهو الوحيد الذي بقي إلى جانبي بعد أن فضل مساعداي الابتعاد عني
خوفا من السب والشتم، “أعلم جيدا أننا لودخلنا وصاح جمهور المولودية بحياتي وحياة اللاعبين، فسوف نحصل على هذه الكأس، وإذا حدث العكس فسوف نخسر المباراة، وسوف أستقيل بعدها مباشرة، وفعلا لما شاهدني جمهور المولودية نهض الجميع وصاحوا كرمالي.. كرمالي”، فالتفت إلى حارس المتاع وقلت له “مبروك علينا الكأس”. وبقيت تلك الكأس تمثل التويج الوحيد للمنتخب الوطني، قبل أن يأتي الناخب الحالي جمال بلماضي ويتمكن من إضافة النجمة الثانية لقميص المنتخب، وبنفس الأرقام الفردية التي توج بها كذلك المنتخب الحالي. كانت هذه بعض المحطات في مسيرة الشيخ الحافلة بالانتصارات والتتويجات، وكما لم تخل من بعض المحطات المؤسفة وبعض الذكريات السيئة، على غرار انتكاسة كأس إفريقيا بزيشنشور بالسنيغال، وكذلك يذكر الشيخ لما تمكن من تأهيل المنتخب الوطني لدورتي غانا وتونس الخاصة بنهائيات أمم إفريقيا رفقة صديقه ورفيق دربه حميد زوبا. وقال في هذا الخصوص إنه بعدما أشرفا على العارضة الفنية للمنتخب لأشهر فقط، لم تتم حتی دعوتناكضيوف شرف لمتابعة مباريات الدورتين . كما تاسف كرمالي لسقوط فريقه وفاق سطيف إلى القسم الثاني، ومع ذلك كان المرحوم يعتبر نفسه من المدربين المحظوظين جدا، لما حققه من إنجازات وانتصارات للكرة الجزائرية، سواء كلاعب اوكمدرب، وكان المرحوم قد أبلغنا أنه ندم على شيء وحيد في حياته، وهو عدم تعلم اللغة التحليل الرياضي عبر القنوات الرياضية العربية المختصة، ومع ذلك قال لنا “أنا فخور بنفسي لکونی مجاهدا ومتقاعدا لدى شركة سوناطراك التي منحت صفة مدير مركزى”. هكذا كانت سيرة شيخ المدربين من المهد إلى اللحد ليفارقنا إلى الأبد، في ذات مساء من يوم 14 أفريل سنة 2013 حاملا معه جزءا كبيرا ومهما من تاريخ وأرشيف كرة القدم الجزائرية، ومسجلا اسمه بأحرف من ذهب في سجل عمالقة كرة القدم التي أنجبتهم الجزائر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock